محمد متولي الشعراوي
10318
تفسير الشعراوي
الأوائل كيف كانوا يُعذَّبون ويُضطهدون ، ولا يجرؤ أحد على حمايتهم حتى اضطروا للهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة ، وقد قال تعالى : { أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } [ العنكبوت : 2 ] . وهؤلاء الصحابة هم الذي حملوا للدنيا مشاعلَ الهداية ، وساحوا بدعوة الله في أنحاء الأرض ، فلا بُدَّ أن يُربوا هذه التربية القاسية ، وأن يُمتحنوا كل هذا الامتحان ، وهم يعلمون جيداً ثمن هذه التضحية وينتظرون ثوابها من الله ، فأهل الحق يدفعون الثمن أولاً ، أما أهل المبادئ الباطلة فيقبضون الثمن أولاً قبل أنْ يتحركوا في اتجاه مبادئهم . وهذا الابتلاء الذي عاشه المسلمون الأوائل هو من تنقية الخليفة ليكون أَهْلاً لها . لذلك قال سبحانه : { وَعَدَ الله } [ النور : 55 ] والوَعْد : بشارة بخير لم يَأْتِ زمنُه بعد ، حتى يستعد الناس بالوسيلة له ، وضِدّه الوعيد أو الإنذار بشرٍّ لم يأتِ زمنه بعد ، لتكون هناك فرصة للاحتياط وتلافي الوقوع في أسبابه . وما دام الوعد من الله تعالى فهو صِدْق ، كما قال سبحانه : { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً } [ النساء : 122 ] وقال سبحانه : { وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله } [ التوبة : 111 ] . والذي يفسد على الناس وعودهم ، ويجرُّ عليهم عدم الوفاء أن الإنسان مُتغِّير بطَبْعه مُتقلِّب ، فقد يَعِد إنساناً بخير ثم يتغير قلبه عليه فلا يفي له بما وعد ، وقد يأتي زمن الوفاء فلا يقدر عليه ، أمّا الحق تبارك وتعالى فلا يتغير أبداً ، وهو سبحانه قادر على الوفاء بما وعد به ، فليست هناك قوة أخرى تمنعه ، فهو سبحانه واحد لا إله غيره ؛ لذلك فوَعْده تعالى ناجز .